أحمد بن محمد ابن عربشاه

201

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

العالم السفلى من جزئي الوقائع والكلى ، ومن نحوسة وسعادة ، ونقص وزيادة ، وخير ونفع وضر ، وتأثر وتأثير ، وقليل وكثير ، وانحراف واعتدال ، وحدوث وزوال ، وصحة وسقم وسكون وألم ووجود وعدم . فبعض من لم يعرف الطريقة يسند هذه الأشياء على الحقيقة ؛ وذلك لقصور فهمه وقلة العقل كقول الجاهل : أنبت الربيع البقل . وبعض من لم يكن له إدراك يزعم أن هذا إشراك . لا يسند هذه الحوادث إليها ولا يعول في ذلك أبدا عليها لا بالحقيقة ولا بالمجاز ، ولا يسلم في ذلك إلى طريقة المجاز . والمحققون من العلماء والراسخون في العلم من حكماء الفقهاء يسندون هذه الحوادث والتأثير إلى قدرة اللطيف الخبير الصانع القدير ، الفاعل المختار الذي يخلق ما يشاء ويختار ، فإذا نسبوا هذه الأفعال إلى غير ذي الجلال ؛ فإنما يجعلونها في ذلك الباب كالآلات والأسباب ؛ كتأثير الخبز في الإشباع والنار في الإحراق والإيجاع ، وكفعل الماء في الإرواء والدواء في الأدواء ؛ وإنما ذلك كله بتقدير صانعها وما أودعه فيها من خواص بدائعها وصفات ودائعها ، كخاصية الإسهال المودعة في السقمونيا « 1 » وخواص التصيير وغيره الكامنة في الموميا « 2 » ، والإسكار في الخمر ، والإحراق في الجمر ، وقد رأينا القوّة النامية عقيب الأمطار الهامية ، والشمس حامية تهيج وتنمو وتموج وتزكو ، وهذا الصنيع البديع إذا حلت الشمس في برج الحمل وقت الربيع ، وإذا نقلت إلى برج الأسد احترق ذلك الجسد ، وعند نقلها إلى الميزان ينقلب هذا الزمان ، وكذا إذا تحولت الغزالة « 3 » إلى برج الجدى فكأنه بلغ إلى محل الهدى ؛ فتموت إذ ذاك قوّة الزمان ، ويضعف لذلك غالب الحيوان .

--> ( 1 ) السقمونيا : نبات يستخدم كملين بسبب الإسهال . ( 2 ) نوع من الدواء . ( 3 ) الغزالة : دائرة من دوائر الفلك .